دكتور عبد العزيز الدوري
61
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
ولكنه لم يورث قناعة تامة . فكان من المنتظر أن يعتمد عثمان على بني أمية اعتمادا كبيرا . وبنتيجة ذلك انقسمت قريش على نفسها مع العلم بأنّ هذا الانقسام له جذوره التي غمرتها موجة الحروب والفتوحات ، ولكن أثر مجلس الشورى وتوقف الحرب كانا مساعدين على توسيع الشقة . والأهم من هذا هو شكوى القبائل من نفوذ قريش . فالثورة جاءت من الخارج ولم يخلقها انقسام قريش بل كان هذا الانقسام عاملا مساعدا . فالقبائل بنزعتها البدوية التي تكره الحكم المركزي لم ترض يوما عن سيادة قريش . استمع إلى رد رجل من عبد قيس على الزبير في البصرة حين حاول إقناع أهلها بالثورة على عليّ : « يا معشر المهاجرين ، أنتم أول من أجاب رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) فكان لكم بذلك فضل ، ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم فلما توفي رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) بايعتم رجلا منكم ، واللّه ما استأمرتمونا في شيء من ذلك ، فرضينا واتبعناكم ، فجعل اللّه عز وجل في إمارته بركة . ثم مات رضي اللّه عنه واستخلف عليكم رجلا منكم فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلّمنا ، فلما توفي الأمير جعل الأمر إلى ستة نفر ، فاخترتم عثمان وبايعتموه من غير مشورة منا . . . » « 16 » . فالقبائل دخلت الإسلام كما دخلت قريش وهاجرت لإعلاء رايته ، ولكن قريشا استأثرت بالخلافة وقادت وتزعمت . ومما زاد هذا التذمر حدة أنّ عامة القوات الفاتحة كانت من القبائل فأكد هذا شعورها بأنها مغبونة . فلما انقسمت قريش على نفسها انقساما ظاهرا وجدت الفرصة سانحة للتدخل . وظهرت نزعة إقليمية لعلها تطور للنزعة القبلية في الأمصار ، يصحبها عدم ارتياح الأقاليم لسلطة المدينة وزيادتها ، إذ إنّ الموارد كانت ترسل من الأمصار إلى بيت المال في المدينة . لقد كان لكل قبيلة مراعيها وحماها الذي تدافع عنه ، فحلت الأمصار التي تسكنها القبائل محل الحمى والمراعي التي عليها تعتمد في معيشتها وترى حقها الطبيعي بحكم الفتح في أن تتصرف بها . ولدينا أمثلة لذلك . قال سعيد ابن العاص في الكوفة : « السواد بستان قريش » ، فعلت الصيحة « أتجعل ما أفاء اللّه علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستانا لك ولقومك ؟ » « 17 » . ثم استمع إلى صيحة الشاميين في صفين : « يا أهل العراق ، من لثغور العراق بعد أهل العراق ، ومن
--> ( 16 ) المصدر نفسه ، ج 4 ، ص 469 - 470 . ( 17 ) أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر ، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، 4 ج ، [ ط 3 مزيدة ومنقحة ] ( القاهرة : مطبعة السعادة ، [ 1958 ] ) ، ج 2 ، ص 225 ، ج 3 ، ص 90 .